الموصل قبل عام(1915)..من وجهة نظر الرحالة الاجانب ج-1-


ترجمة :د.حسيب الياس حديد
تعد شهادات المؤرخين ومدوني الوقائع العرب والسريان والأتراك والفرس ذات أهمية بالغة بيد انه ينبغي عدم إغفال شهادات الأجانب أو في الحقيقة شهادات الأوربيين الذين مروا عبر الموصل أثناء رحلاتهم.
فإذا ما أردنا تصنيف هؤلاء الرحالة حسب التسلسل الزمني فانه بالإمكان تصنيفهم إلى ثلاث مدد: المدة الأولى وهي الفترة التي تطلق عليها تسمية فترة (الرحالة العظام) والتي تمتد من العصر الوسيط حتى شق قناة السويس عام (1869).
وكانت الموصل إبان تلك الفترة نقطة مرور إجبارية تقريباً في الطريق المؤدي إلى الشرق الأقصى.
وهذا في الحقيقة مدلول تسميتها بالموصل أي أنها (الجسر الموصل).
أما المدة الثانية فهي الفترة التي تبدأ قبل انتهاء الأولى وتعرف بفترة البعثات الآثارية.
وكانت نينوى والمواقع الآشورية الأخرى هي الهدف المنشود.
أما الموصل فقد تم وصفها أثناء مرور البعثات الآثارية.
اما فيما يتعلق بالمدة الثالثة فهي الفترة التي استمرت إلى حد الآن والمتمثلة بالسواح وشؤونهم وبعثاتهم الرسمية.
وتم فعلاً اكتشاف مواقع أثرية ساحرة في المناطق المجاورة.
ومن الأهمية أن نشير إلى أن ما يهمنا في دراستنا هذه توقف المدة الثالثة بصورة عملية في بداية الحرب التركية-الأوربية** ثم تزايد عدد الرحالة بصورة تحول دون وضع قائمة لجرد الرحالة الذين قدموا إلا أن مؤلفاتهم في متناول أيدينا.
ومن ناحية أخرى.
ومنذ أن شرعت أعمال تنظيم المدينة ابتداءً من شق شارع نينوى وهدم الأسوار فقد انتهت الموصل القديمة وبإمكاننا أن نقول إن الموصل شرعت تكتب تاريخها.
وانه لشيء يدفع للسأم من جهة وغير مجدٍ عملياً من جهة أخرى أن نأخذ الرحالة الواحد بعد الآخر.
وحتى العظام منهم لكي نقتبس أقوالهم.
فليس ثمة سوى سطر واحد أو اثنين يمكن اقتباسهما بجانب اسم المؤلف وخصوصية مؤلفه.
و يجدر بنا أن نذكر او لونكريك في كتابه "أربعة قرون في العراق الحديث".
Longrigg: “Four centuries in Modern Iraq" إذ وضع قائمة خاصة بالقرون الأربعة الماضية موجودة في نهاية كتابه.
ولم يعمد لونكريك إلا إلى إعطاء جرد للكتب التي تضمنتها مكتبة يعقوب سركيس في بغداد.
وتبدأ هذه القائمة بجرد رحلات ومغامرات الاميرال التركي سيدي الريس في منتصف القرن السادس عشر.
وفيما يتعلق بهذه الفترة نفسها.
بحوزتنا وقائع عربية خاصة العمرية التي تخبرنا بطبيعة الحياة في الموصل يوماً بعد يوم.
وحتى حول البيض الضخم الذي كانت تضعه دجاج بارتيلي (برطلة) (Bartelli) دون مراعاة أسعار السلع الأساسية إبان تفشي الأمراض الوبائية بصورة دورية.
أما السنوات الأخيرة فان ما ذكره الأقدمون في الموصل يسمح بالتأكيد على المعطيات التي قدمها الرحالة والتي لا تعد شهاداتهم لا مثيل لها.
وبناءً على ما تقدم نكتفي (1) بالحديث عن ثلاثة رحالة عظام في العصر الوسيط هم تيوديل (Benjamin de Tudele) وماركو بولو (Marco Polo) وفرا ريكولدو (Fra Ricoldo) ولم يذكر لونكريك هذه الشهادات لانها سابقة للفترة التي عالجها .
ومن ثم شرح الخرائط التي نشرتها مجلة سومر بصورة مختصرة.
وأخيراً ملاحظة "مشاهد الموصل" وتتضمن الصور والرسوم التي نشرها الرحالة.
اما بخصوص وقائع إقامة الأب لانزا او.
ب Pere lanza في الموصل في الفترة الواقعة بين (1753-1771) فقد تم اقتباس الأجزاء المهمة حول الترجمة الفرنسية الموثقة من أرشيف بعثة الدومينيكان في الموصل.
وقام الدكتور داود الجلبي من جهته بترجمة هذه الاقتباسات إلى العربية.
ونأمل أن نتمكن من نشرها في يوم ما مع الملاحظات التوضيحية كما نأمل العثور على الجزء الثاني الذي يغطي إقامة الأب لانزا في الموصل إذا ما كانت موجودة في أرشيف الدومينيكان في روما ثم نشرها.
1.
الثلاثة العظام أ.
بنيامين التطيلي (Benjamain de Tudele) قام الرحالة الاسباني بنيامين دي التطيلي برحلة إلى الشرق في الفترة الواقعة بين (1159-1173) وسطر إخباره باللغة العبرية الحاخامية عام (1178) ونشرت ترجمتها الفرنسية.
التي نقتبس منها هذه السطور في سلسلة "الرحالة القدماء والمحدثون" في باريس (1869).
وتقع الفترة المتعلقة بالموصل في الجزء الثاني (ص188) قام مؤخراً عزرا حداد بنشر رحلة بنيامين مع بعض الملاحظات في المطبعة الشرقية-بغداد (1945) ونقتبس هنا ما يقوله بنيامين: "هنالك مسافة يومين من جزيرة ابن عمر إلى الموصل حيث يوجد آشور العظيم.
إن مدينة الموصل مدينة كبيرة وقديمة وتقع على نهر شيد بكل عناية أي دجلة وهناك نينوى وهي مدينة مقفرة لا يوجد فيها سوى جسر واحد.
ومن هنا يمكننا رؤية عدة قرى وعدد من القلاع.
وتقع نينوى على ضفاف دجلة.
فضلاً عن ذلك انه في مدينة آشور يمكننا مشاهدة صوامع عوبديا ويونس بن متى وناحوم الالقوشي وماثل من جهته بنيامين ذلك بمدينة الموصل.
وذكر بنيامين أن زين الدين حكم الموصل وهو شقيق نور الدين ملك دمشق.
وفي الحقيقة نعلم أن أولاد عماد الدين تقاسما السلطة حسب ما يشير تاريخ الموصل حيث تولى نور الدين السلطة في حلب وحمص وحماة عام 1143* وتولى سيف الدولة غازي الأول السلطة في الموصل علماً أن عماد الدين توفي عام (1146) وعند وفاة الابن الثاني عام (1143) تولى الابن الآخر وهو قطب الدين مودود السلطة في الموصل حتى وفاته عام (1169).
وعندما جاء نور الدين إلى الموصل في العام نفسه تولى ابن قطب الدين سيف الدولة غازي الثاني العرش على الموصل.
وبذلك يكون الأميران قطب الدين ونجله سيف الدولة غازي الثاني قد غطيا فترة رحلة بنيامين (1159-1173).
فإذا كان حقاً أمير الموصل هو شقيق نور الدين فانه لا يمكن أن يكون إلا قطب الدين ولكن من أين وجد بنيامين الاسم الثاني لزين الدين؟ وفي الحقيقة.
كان هنالك أمير في الموصل بهذا الاسم في تلك الفترة يدعى زين الدين قيماز وهو احد المماليك في أربيل ومؤسس الجامع الأحمر في الموصل.
كان يشغل منصب قائد الجيش سنة (1149) وكان له تأثير كبير في اختيار قطب الدين ملكاً على الموصل (تاريخ الموصل ص176).
الا انه لم يحكم الموصل الا في الفترة الواقعة بين (1175-1179) (احمد الصوفي- الآثار الإسلامية في الموصل- ص52) لذلك خلط بنيامين بين الملك لقباً ومنصباً وبين قائد الجيش الذي كان ملكاً حقاً ولكن ليس بقوة القانون مادام ان الملك نور الدين المرعب والمخيف يحمي عرش أخيه ومن ثم عرش ابن أخيه.
...الرجوع
2014-03-10 - 06:00:28 AM