السينما ورسالتها الثقافية قراءة في المشهد الثقافي في الموصل ج-1-


اسامة غاندي
كلما دق جرس السينما في صالة سينما سمير أميس .
ارتجف المقص بيد ابو حمودي .
الخياط الذي تقع دكانته قبالة سينما سمير أميس .
واذا ما أستمر الجرس بالرنين فان المقص سوف يبدأ بشق القماش الموضوع أمام هذا الخياط بطريقة غير مخطط لها .
فبدلا من أن يمضي المقص لتفصيل بنطلون مثلا كما هو مخطط ومؤشر له بالطباشير .
فان عشوائية المقص وقوة الارتجاف ورنين جرس السينما الذي يقرع في قلب ووجدان ابو حمودي .
أكثر مما ينبه الرواد الى الدخول .
هذا المقص سيذهب الى تفصيل شيء آخر غير البنطلون .
وربما فصّل لنا خارطة العراق الحديثة موديل ما بعد 2003 .
لذلك فما كان الاسطى الكبير ( المعلم ) الا أن يعطي استراحة ل (ابوحمودي ) بمجرد ان يُقرع الجرس .
فيذهب ابو حمودي لمشاهدة الفلم او بداياته .
ربما للمرة الخامسة او السادسة .
هكذا بدأ اهتمام (ابو حمودي ) بالسينما كفن وأدب .
أكثر منه كتسلية وفرجة من تلك التي تمطرنا بها الان سينما العنف والكذب وترويج الارهاب .
وانتهى به المقام الى أن يملك ثلاث دور عرض في الموصل .
تحولوا فيما بعد الى مخازن وحوانيت .
لم يكن ابو حمودي [ يرجى ملاحظة اني لا أعرب لفظة ابوحمودي واجعلها دائما مرفوعة بغض النظر عن محلها في الجملة .
على سبيل الحكاية كما يقول النحويون ] لم يكن ابو حمودي وحده في هذا الهوس المسكون بالسينما .
ولم ينظر الى السينما كصور ومثالات جميلة تستثير الغرائز والفضول .
انما كان ينظر اليها كتقليعة ثقافية حديثة لها رسالة اجتماعية دقيقة وخطرة .
وأن كان لايلم بها جميعا كونه غير متخصص و لكنه يستشعرها جملة .
لم يكن وحده في هذا المضمار .
فقد شاركه الكثيرون من شتى الطبقات والاتجاهات والمقامات الاجتماعية الناضجة .
منهم على سبيل المثال الاديب الراحل عمر الطالب .
الذي لايقل عن صاحبنا اهتماما وهوسا بالسينما .
لكنه لم يقف عند حدود الملاحظة فيها .
انما تجاوزه الى النقد والتصويب وشرح السينما كحركة ثقافية .
وللطالب كتاب في تاريخ السينما في الموصل اصدره سنة 1998 وفصل بداياتها وتحولاتها .
حسب ما ذكره الاستاذ الدكتور ابراهيم العلاف في احدى مقالاته .
لم تكن السينما في الموصل وما رافقها من طقوس اجتماعية وثقافية .
مجرد تسلية وعروض مضحكة أو تقليعة حياتية قذفتها الحداثة الينا .
السينما في الموصل أكبر بكثير من هذه التوصيفات .
إنها عنوان تحول اجتماعي وثقافي نوعي تزامن مع الوعي الوطني والثقافي لمجتمع الموصل ومن هنا كان الاهتمام به ( على الاقل بين النخب ) اهتماما بنوعية مرحلة حضارية .
لان السينما كانت فعلا عنوان مرحلة .
فمن خلال السينما بدأ قذف المنتوج الاممي سلوكا ونماذج وقرارات .
ومن خلالها شرعت نافذة التلاقح الثقافي والاجتماعي بين الامم ( وان كانت الغاية لنشر النمط الغربي في العالم أكثر منه ارادة التلاقي والتثاقف ) .
لذلك يمكن القول أن الولايات المتحدة الامريكية امتلكت ناصية العالم بسلاحي السينما والتكنولوجيا وكانت الاولى اخطر كثيرا من التكنلوجيا .
لان الاتحاد السوفيتي ودول كثيرة امتلكت ناصية التكنلوجيا ولكنها لم تستطع أن تجعل للتكنلوجيا بطانة اجتماعية وثقافية وتسوق قراراتها عبر هذه النافذة .
فاحتكرت امريكا ولا زالت صناعة السينما في هيمنة شبه مطلقة .
وقضت على كثير من المدراس السينمائية الصاعدة والنظيفة .
وموتتها بضغط اقتصادي ودعائي .
فماتت السينما الايطالية الا في حدود .
كذا السينما الفرنسية .
وقضت تماما على سينما ثورية تحررية .
هي سينما العالم الثالث وهمشتها لصالح نجومية السينما الامريكية .
لكي لاتكون السينما الاخرى منبرا لعرقلة الغزو الثقافي الجديد .
ونجت من مذبحتها السينما الهندية لا سباب سياسية واجتماعية .
ولسبب رئيس هو ان السينما الهندية ظلت في حدود الموعظة والوفاء واليتم والفقر ومواضيع وجدانية بحته دون ايحاءات ثورية سياسية .
اما ما كان من السينما العربية .
هي المصرية بالضرورة .
فقد كان لها عصرها الذهبي ودورها التثقيفي والتوجيهي .
في عهد النهوض وعودة الوعي العربي.
لكنها دخلت في مأزق بعد زوال الحاضن الاخلاقي والسياسي .
الذي عبرت عنه تلك المرحلة .
فقد اوكلت صناعتها لرجال المال .
واختصرت مهماتها في تمييع قضايا جوهرية او تلميع مغامرات سياسية .
فقد نسجت لها وعبر دوائر مالية وغيرها .
نسجت لها من صوفها كفنا لها .
وادخلتها في شرنقة مشاكل اجتماعية داخلية بحتة تدور حول محورين لا ثالث لهما وهو الحشيش ومشتقاته من تحشيش وغفلة وربح سريع .
والجنس ودواعيه .
و احلام الشباب في الظفر بفتاة ذكية وجميلة وغنية وسبورت .
واختصرتها بهذين المحورين الا ما شذ من افلام تدعو الى التمرد والانتفاض على الواقع .
لكنها محدودة الغضب من الواقع المصري فقط .
وليس على الواقع العالمي والتخطيطات السياسية العالمية .
وهي بهذا ( اي السينما المصرية ) ساهمت في تسطيح ذوق وفكر المشاهد وقولبتها على حجم المشاكل الداخلية والتي تتلخص ربما كلها وتنتهي الى نتيجة سب الحاكم لانه لص وغير عادل ودكتاتور وووووووو .
الى آخر ما تريده الادارة الامريكية ان يقوله الجمهور .
لذلك فانني ارى أن الهجوم القوي المتأمر الان على سوريا .
كان في جزء منه اغتيال نمط حياتي عربي عقلاني .
عبر اعمال فنية تلفزيونية سورية .
بدأت تظهر بقوة واصرار .
ومجاوبة عالية المستوى من الجمهور.
مما اصبح ينافس بقوة الخطابات الغربية والرجعية على حد سواء .
والتي شعرت ان مهمتها التلقينية المخربة اصبحت في خطر .
لذلك فاني اعتبر أن امريكاقد دعت بواسطة السينما وجربت ايدلوجية جديدة اشبه ما تكون بالدين .
وكان كتابها المقدس هو السينما .
.
وطرحت كل حضورها السياسي والاجتماعي واستعراضاتها .
وطرحت اقتصادها عبر السينما .
حتى يمكن القول أن كل ما يجري الان في كواليس المنابر الدولية ودعوات حقوق الانسان ومحاربة الارهاب .
هي افلام سينمائية .
ابطالها ممثلون حقيقيون .
أما ما يجري في الافلام السينمائية فهو باختصار كل ما لايحرك الوعي ولا يثقف الرأي العام .
وعودة الى السينما في الموصل فقد افتتحت اول دار عرض سينمائي في الموصل في سنة 1921 باسم دار الهلال وقامت هذه الدار على ارض خان كان يملكه احد الاغوات ملاصقا لمحل محمد نجيب الجادر في شارع نينوى مقابل قنطرة الجومرد .
وقد عرضت فيه افلام شابلن الصامتة مثل فلم المتشرد .
وانتشرت دور السينما تباعا في الموصل .
واغلبها صيفية وسفرية نوعا ما لذلك كان من السهل اغلاقها وترحيل محتوياتها البسيطة الى مكان آخر .
وهنا تجدر الاشارة الى ان الموصل شهدت اول دار عرض في 1921 في حين ان بلادا عربية طويلة وعريضة لم يؤسس فيها دار سينما لحد الان .
مما يعني ان فجوة لا نسبة لها بين مجتمع الموصل الثري ومجتمعات اخرى قاحلة .
وأن شيئا ما يجب أن يقال في هذا الصدد .
مهما اجتهدنا في تأويله وغمطه لصالح الفضيلة المدعاة .
يعني أن حراكا ثقافيا مهما كان داعرا او متسيبا .
( على افتراض ما سيأتيني من تبريرات ) كان هو عنوان المرحلة في لموصل .
كان دليلا على أن هذه الارض كانت ولودا ودودا .
استمرت دور السينما في التحرك بهذا الشكل الخفيف والسفري كما قلنا الى بداية الخمسينات .
حيث شهدت فترة تأسيس دور عرض حديثة مجهزة ومخصصة لهذا النوع من المشاريع .
ولعلها ابتدأت بسينما هوليود (سمير أميس حاليا ) ثم تلتها دور حديثة منشأة لهذا الغرض حتى بلغ عدد الدور بداية السبعينات 11 دارا حديثة .
وكان اول رواد هذا النوع من الاعمال هم من اليهود .
اختلط بهم بعض المسيحيين وتعلموا منهم اصول المهنة .
وكان ابرز من عمل بهذا المجال هو المرحوم كامل سارة .
الذي اسس سينما كامل ( النصر حاليا ) سنة 1952 التي باعها وبنى سينما خلف حديقة الشهداء حديثة ومجهزة سماها سينما السندباد .
التي اختصت وعرفت بين الجمهور بعرض الافلام الهندية حصرا .
مع بعض افلام منتقاة مثل فلم العصفور .
وكان رحمه الله حريصا على الضبط والنظافة والدقة .
وكان ايضا متكلما لبقا وصاحب نكتة .
ولعل من اطرف المواقف التي وقفها .
وهي أن الراحل تحسين الخطاط كان يخط كل القطع والافتات الخاصة بسينما السندباد بعد اكمال تجهيزها بنائها .
فكان تحسين الخطاط كلما خط لوحة الادارة مثلا كتب تحتها بخط صغير كلمة (تحسين ) في اشارة الى توقيع الصغير على اللوحة .
وعلى عادة الخطاطين .
وهكذا حينما يخط قطعة هذه الليلة \ العرض القادم\ الحانوت \ وهكذا .
الا أن جاء تحسين الى خط ارقام الكراسي في السينما .
فوجد المرحوم كامل سارة أن تحسين يكتب 1 في ظهر الكرسي وتحتها كلمة تحسين صغيرة .
هنا لم يحتمل المرحوم سارة هذا المشهد فنزع قميصه وتعرى ظهره .
وقال لتحسين : اكتب كلمة تحسين على ظهري .
هنا ضحك تحسين لهذا المشهد كثيرا وكف عن كتابة اسمه .
ورثه في هذا نجله سمير سارة الذي تولى الادارة بعد وفاة ابية وبعد ذهاب اخيه الى بغداد لمزاولة نفس التجارة .
وظل سارة متربعا على عرش هذه التجارة شاركه فيها المرحوم حازم فائق صاحب سينما الجمهورية التي اسسها سنة 1952 وبعدها قام ببناء سينما غرناطة في الدواسة لكنه توفي قبل ان يكمل بناءها سنة 1966 ولما كانت ارملة حازم فائق وذريته الصغار .
لا يستطيعون أن يحلوا محل فائق .
فقد اوكلوا مهمة ادراة السينما الى السيد توفيق غزال احد مساعدي حازم فائق .
الذي استقل فيما بعد بسينما غرناطة بعد أن اشتراها من الورثة .
وتابعهم الى المهنة ابو حمودي المذكور الذي اعاد لدور العرض التي امتلكها رونقها وبهاءها وحرص على عرض افلام راقية فيها .
وحرص على أن يقدم عروضا اولية في صالاته .
حسب ما أكد لي أحد تجار الافلام في بغداد .
والملاحظ فيمن امتهن هذه المهنة انهم من الذين كانوا قريبين منها بمعنى من المعاني .
إما أن يكون بائعا للجرزات أمام السينما أو عاملا فيها أو حرفيا تقع دكانته قريبا منها .
مما سهل عليهم أمر ادارتها عن سابق خبرة وتجربة .
وهو الامر الذي دفع بتجار اخرين ارتادوا هذه المهنة وفشلوا فيها .
لانهم تعاملوا معها كصفقة فقط .
مثل التاجر الكردي الذي اسس سينما حمورابي واشترى سينما سمير أميس .
وخسر فيهما رغم موردهما المحترم .
الامر الذي يقودني الى تلمس حقيقة أن رواد هذه الصناعة في الموصل كانوا تجارا ومحبي سينما في آن واحد .
وهو الذي جعل السينما ايامهم تحافظ على رسالتها ايا كانت .
...الرجوع
2014-03-13 - 02:04:30 PM