السينما ورسالتها الثقافية قراءة في المشهد الثقافي في الموصل ج-2-


اسامة غاندي
تعلق الموصليون كثيرا بالسينما واولعوا بها من كافة المستويات والشرائح الاجتماعية .
وعرفوا عبر السينما اشكال سلوكية وحياتية .
أو قلدوها ( لكنه كان تقليديا حضاريا نوعا ما ) فقد قلدوا انور وجدي في تسريحة الشعر المقلوب الى الوراء .
والتي تسمى في الموصل على سبيل التندر ( البوكلة ) وقلدوا ازياء فاتن حمامة وأناقة كمال الشناوي .
وشكل المساجلات الغزلية الناعمة من براءة وطهارة حب مريم فخر الدين .
وأخذوا بعض الانماط الحضارية التي اسستها سينما مصر في الخمسينات مع التركيز على الفضيلة والحب النظيف والاخاء .
والتوازن بين قيم الحداثة والثوابت .
وساعد مصر أن تكون سينماها نظيفة في تلك الفترة .
هو نظافة الفريق السينمائي نفسه من كتاب وسيناريستية ومخرجين .
فكتاب مثل توفيق الحكيم والعقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وروايات لتولستوي وفكتور هيجو وشارلز ديكنز .
ومخرجون كبار وممثلون محترفون .
يضاف الى ذلك توجيه وطني سياسي باحياء النموذج العربي وتهذيبه .
وكان هذا من حسنات فترة الثورات التحررية والموجات الوطنية في الخمسينيات .
.
وانتشرت رياضات رفع الاثقال وكمال الاجسام عبر افلام ماجستي وهرقل .
وساد نوع من الخطاب الشعبي الذي يدعو الى الوفاء والصداقة الابدية والعذرية عبر وعظيات السينما الهندية .
ولما كان هذا الولع حاضرا لدى الجميع فقد شهدت صالات السينما حضورا للجميع من كافة المستويات .
وكان ما يلفت النظر حضور العائلات في السينما وفي ادوار ليلية متأخرة .
كذلك كانت صالات السينما مكانا يجتمع في من كل الاصناف .
مما جعل دار السينما تجمع مزيجا من شرائح غير متجانسة أحيانا .
وكان هذا مبدأ الطعن من قبل البعض في وبائية دور السينما التي حوربت في بعض الخطابات الدينية .
كما حوربت كل ادوات الحداثة .
ففي حين تجمع السينما بعض المعلمين والمثقفين والادباء ممن يتسلى فيها بنوع الادب الذي تقدمه الصورة .
تجد هناك صباغي الاحذية ممن يجمعون المال من مسح الاحذية في الطرقات ليتراصفوا في مقاعد السينما ويتمتعوا بمشاهدة فلم هندي على مدى ثلاث ساعات تحكي قصة طفل يتيم منذ ان كان رضيعا وفقدته امه في احد الكوارث .
الى ان يتعرف عليه اخوه ضابط الشرطة حينما يلقي عليه القبض وهو جريح يحتضر .
ومع ما تسود فترة العرض من مماحكات وتصرفات مراهقة وصفير وسباب في الرجل ( الاعور ) الذي قطع مشهدا من الفلم .
انتبه اليه الرواد .
لانهم في هذا الفلم للمرة العاشرة ربما .
ومع ما يسود من فوضى جراء رمي قشور (السسي ) من الطابق الثاني على الجالسين في الطابق الارضي .
اذا لم يكمل ( بطل الفلم ) القبلة كاملة .
أو هرج ومرج يسود حينما يقاطع احد المعجبين بعبد الحليم حافظ .
يقاطع مشهدا لفريد الاطرش او يعلق عليه .
وكذا الحال في بقية الاصناف الحاضرة من نجارين وبناءين وحدادين وسواق باصات .
وكل ينقد الفلم بصوت عال .
وبطريقته وبادوات المهنة النقدية .
ومن طريف ما يذكر في هذا الشأن .
أن بعض الناس ممن تتحفظ على ارتياد السينما علنا .
تحرص أن تدخل الى السينما اثناء فترة الاظلام وتغادرها في نهاية الفلم قبل الاضاءة الكاملة .
وحدث أن صادف تواجد أحد الظراف الصعاليك في الموصل .
في سينما اطلس في دور نهاري في رمضان .
وكان العادة أن يكون هذا الظريف مفطرا .
وفي فترة الاستراحة .
أضيئت القاعة ليكتشف هذا الظريف أن الرجل الجالس الى جانبه أحد الرجال المعروفين نوعا ما بوجاهته وحضوره الاجتماعي وكان يأكل .
فتفاجأ الرجل بوجود هذا الظريف وسأله ماذا جاء بك .
فقال له الظريف .
أنا في مهمة مراقبة العرض من قبل دائرة البلدية .
وكان هذا الوجيه يعرف ان هذا الظريف يكذب لانه عاطل وابعد ما يكون عن مراقب او موظف في البلدية .
لكن هذا الظريف سأل هذا الوجيه لماذا انت مفطر اليوم .
وبسرعة بديهية او تصنع مزحة او مداراة للموقف .
اجابه (إني اليوم حائض ) .
فقال له \\ اي مولانا اشون حائض \\ اجابه \\ اي مولانا لكن اشون انت مراقب بلدية والبارحة توسطت عندي حتى اسجلك بالبلدية كناس ؟؟؟ على ان هذا لم يمنع هواة ومعجبين بالسينما من كل الطبقات كما قلنا .
وقد ترسب عن هذا الاعجاب اشخاص عديدون لازالوا في الموصل يحفظون تاريخ السينما بتفاصيلها ويعرفون الافلام ومؤلفوها وابطالها .
وسنوات انتاجها ودور العرض التي عرضت فيها .
كما لم يمنع تواجد نقاد محترفين للسينما ومؤرخين لها بالمعنى الاختصاصي .
وافضل من أرخ للسينما في الموصل هو الراحل الدكتور عمر الطالب .
وكان موسوعة لها ولمراحلها وتطوراتها .
كما كان قديرا أن يكون من مؤلفيها الكبار لو اتيحت لها حركة انتاج في الموصل .
وأرخ لها شفاها الراحل تحسين الخطاط رحمه الله .
كان ادرى بالسينما وتجارها وروادها والعاملين فيها ونوعية الافلام .
حتى من اصحابها .
ولكن للأسف لم يتسن لتاريخه ان يكتب .
فقد كان أكثر من خط لافتاتها .
ورقعاتها .
ومانشيتاتها .
بل يكاد هو يحتكر هذه المهمة في الموصل .
ولطول خبرته في نوعية الافلام .
ومزاج الجمهور كان يترك له اختيار الكلمات المناسبة للاعلان عن الفلم وعدد اللافتات واماكن وضعها .
وأظنه قد ترك لنا تلميذا وصديقا له يحمل نفس التاريخ ويعمل الان صحفيا في الموصل .
غاب عني اسمه .
وقد قال لي المرحوم تحسين الخطاط يوما .
أنه احصى 500 عائلة تعيش على السينما في الموصل بشكل او بأخر من خدمات مباشرة وغير مباشرة .
يعني أن تحسين الخطاط قد وصل فيها الى التحليل الاقتصادي .
وهذا تفكير متقدم واعد .
وممن اشتهر بمكتبته الفلمية ومتابعته لتاريخ السينما تاريخا وفنا .
عصمت سعيد .
وتحوي مكتبته فيما اعرف اندر واقدم الافلام العالمية التي انتجت في الخمسينيات وماقبلها .
وهناك شريحة آخرى لا تقل اعجابا وهوسا بالسينما ذهبت الى ابعد من ذلك نحو تاسيس شركات انتاج في الموصل والشروع بتنفيذ افلام روائية .
ورغم انها محاولة عنيدة في هذا الا انها فشلت لاسباب مالية في الغالب .
لكنها انتهت اخيرا بمحاولة يتيمة لانتاج فلم موصلي بالكامل .
قام بهذه المحاولة الجبارة والمعقدة الراحل الاستاذ سامي الجادر سنة 1962 .
وبعناد واصرار ومحاولات مستميتة لتحقيق هذا الحلم .
فكان الفلم الموصلي (طريق الشر ) المنتج سنة 1964 من بطولة سامي الجادر والمرحوم رضا الشاطي ومديحة وجدي .
ومن اخراج سامي الجادر ايضا .
الذي كتب له السيناريو والحوار .
وعرض في سينما النصر والحمراء بوقت واحد .
وقد كلف انتاج الفلم اربعة الاف دينار عراقي في ذلك الوقت .
وقد تم تحصيل كلفة الانتاج بعد عشرين يوم من العرض .
وقد سرق الشريط السينمائي للفلم فيما بعد اثناء مشاركته في اسبوع السينما العراقية في بغداد سنة 1974 .
ولم يبق منه الا نسخة فديوية مشوهة كان قد استنسخها الراحل الجادر .
كان على غرار الافلام المصرية قصة واخراجا وهوى .
لعبت السياسة والعلاقات بين الدول دورا في توجيه السينما ونوعية المنتج السينمائي في الموصل .
وانتقلت من مرحلة التسلية والاستنئناس البريء العفوي بافلام وروايات وقصص .
الى مرحلة تلقين ايدلوجي وفرض ذوق سينمائي سياسي على المشاهد .
فضاعت ذائقة المشاهد وحرية اختياره .
وتأسست تبعا لذلك قيم وتوجهات جديدة فرضتها رسالة السينما السياسية الجديدة .
والرسالة السياسية التي تريدها الدول صانعة القرار .
ففي السبعينيات منعت الافلام المصرية من دخول العراق جراء ازمة سياسية .
فتحول تجار هذه الصناعة الى لبنان وبدأوا استيراد افلام محمد سلمان التي اغرقت السوق .
والتي تختصر بجنس واغراء واغاني لبنانية خفيفة مع ارتجال في القصة وعشوائية في الاخراج .
ورافقتها فترة افلام هندية شتوية طويلة بعيدة عن الواقع وعن الاهتمام العربي المشترك (وربما كانت هذه التحويلة مقصودة ) وبعد الافراج عن الافلام المصرية كان الجو السياسي قد تغير في مصر وسادت فترة الانفتاح الاقتصادي وزوال شيء من القيم الوطنية .
او تراخيها .
فكثرت افلام السبعينات الفكاهية الساذجة مع بطلة من نجمات السبعينيات ممن عرفوا بالقوام الممشوق والاثارة ومراعاة الشكل العام للفلم دون المضمون .
لذلك تجد في انتاج مصر ما بعد عبد الناصر .
طرح ثنائي في الافلام .
يخيرك فيه مابين أمرين ويتولى تلقين الفلم اقناعك بالخيار الثاني .
الشرف مقابل الشطارة .
والنزاهة مقابل التجارة .
والقناعة مقابل الربح السريع .
والاتزان والعقل مقابل الفهلوة .
وجرى ترويج هذه المفاهيم على يد مثقفي سينما \ كتاب \ سياسيين .
وكانت رسالة موجهة للشارع العربي عبر السينما لتمرير روايات سياسية ومخططات جادة جدا وغير هزيلة .
وكانت تلك فترة معاهدات السلام واغراق الدول العربية بمكرمات وقروض صندوق النقد الدولي لتحقيق الرخاء الاقتصادي الملغوم الذي سرق مصر الى الابد .
في هذه الفترة قامت سينمات واعدة لسد النقص او اكمال الخطاب القومي عبر السينما في الخمسينيات .
الا أن معامل السينما كما قلنا سابقا أممت لصالح قوى امبريالية للتولى هي توجيهها فيما بعد .
ففي الجزائر كانت هناك سينما واعدة وملتزمة .
لكنها حوصرت بشتى الطرق .
وفي العراق جرت محاولات جادة وهادفة في سينما نظيفة ذات خطاب وطني .
الا أن آلة الاعلام العالمية المعادية .
افشلتها رغم الدعم المالي الهائل لها .
والطابور الخامس الذي كان مستشريا في وزارات الاعلام .
والمستفز دائما في الداخل والمستحضر دوما احقاده الايدلوجية والحزبية كان ضد اي توجه ابداعي وفني .
ففشل فلم القمر والاسوار والظامئون وفلم المسألة الكبرى ورأس الملك .
والنهر .
لان ابواق اسرائيل قالت ان هذا الفلم دعاية للسلطة .
لكن نجحت افلام القاتل الشيطاني الياباني وافلام الجودو والكراتيه التي خلقت اخلاقية العنف في اوساط الشباب بعد أن ملئتها افلام الخمسينيات بالحب والعاطفة والفضيلة وقضية فلسطين .
ومهدت هذه الافلام لسلسلة افلام رامبو وارهابيي شيكاغو ولصوص مانهاتن الاقوياء الشرفاء .
وهؤلاء اسسوا لجيل يبحث عن العنف في المخيلة ويتقمص دور العميل والمرتزق والخائن .
وكانوا كذلك بالفعل .
وهم غالبية رجال اليوم من السياسيين الذين انتجهم الناتو وعمدهم الخطاب الهش الغشيم القادم من عفونات التاريخ .
على ان هذا الكلام الجاد عن السينما لا يعفينا من ذكر طقوس ومراسيم خاصة لدخول السينما .
ومنها على سبيل المثال والحصر هو ( وقية السسي ) ولفة العمبر .
والعلك اضافة الى توفر ذلك في حوانيت السينما في الداخل .
وورقة الاذن بالخروج اثناء الاستراحة .
وليس عجبا أن تكون كل دور السينما مجاورة لدكان جرزات وبائع لسندويج وبقال نمنميات .
كما أن بعض الشباب يفضلون الذهاب كمجاميع (جوكات ) وربما تحتوي هذه الجوقة على رجل يجيد الصراخ والتصنيف .
وقد تطورت اخيرا بفعل التلقين السيء لنوعية المنتوج السينمائي .
الى جوقات حاملي الدنابك .
لان العاطفة الضعيفة لدى هؤلاء المراهقين والتي تحاكيها السينما بكثافة .
تستأهل بعض معزوفات دنبكية على مشهد اثارة ما .
او مشهد صراع بين ثورين ( بطلين ) في الفلم .
وتدل حركة ارتداد الكراسي الى الخلف على انتهاء الفلم .
وهي اشارة مجانية لبقية العاملين في السينما للتهيؤ لوداع الرواد الغاضبين.
...الرجوع
2014-03-13 - 03:46:52 PM