مشاهدات يوم رمضاني في الموصل


صبحي صبري
استقبلت مدينة الموصل شهر رمضان المبارك بكل ما فيها من عمق وثراء ايماني وحضاري بليغ .
.
فهي مدينة الانبياء والاولياء والصالحين والشهداء وقوافل المؤمنين .
.
تفتح جو المدينة على هواء الايمان العميق وتلألأت الانوار على المنائر والقباب واعالي الجوامع والمساجد والمراقد .
.
وتزهو الحياة اليومية بروح هذا الشهر المبارك الفضيل ورائحته ومذاقه يكشف عن ذلك كل لحظة من لحظات الحياة الموصلية التي تدثرت بنور الصوم واضافته الى ما فيها من جذر ايماني راسخ .
.
واول ملامح حلول هذا الشهر الفضيل غلق المطاعم والمقاهي لابوابها منذ الفجر وحتى موعد اذان المغرب وتعرض المحلات والاسواق التجارية كل ما يفضله الصائمون على موائد افطارهم وفي امسياتهم الرمضانية وفي سحورهم .
.
تصدرت صواني الحلويات الواجهات ومن اشهرها البقلاوة والزلابيا وزنود الست والداطلي وعش البلبل .
.
وانتشرت المحلات والاماكن التي تبيع الشربت والعصير باكياس مختلفة الاوزان واثر بعض الباعة وضعها على عربات متنقلة ليصل الى اكبر عدد من العوائل الموصلية الصائمة وراح الباعة يتنافسون في توظيف خبراتهم ومهاراتهم في هذا الجانب .
.
وملأت الاعلانات الجدران والارصفة وكلها تدعو الصائمين الى مبتغاهم من الاكل او العصير او الحلويات .
.
اغراءات وتخفيضات وتسهيلات من اجل التنافس .
.
تنشط الحركة بشكل واسع في الساعات الاخيرة التي تسبق اذان المغرب .
.
وبالتحديد مع حلول العصر حيث يعود معظم اصحاب المهن الى بيتوهم كما يعود المتسوقون ليفطروا مع عوائلهم فتشهد شوارع المدينة زحاما مروريا قلما تشهد مثله في سائر ايام السنة .
.
وفي مناطق معينة من اشهرها منطقة ( دكة بركة ) يتراصف باعة الخبز على رصيف طويل عارضين اقراص الخبز الحار للصائمين .
.
عشرات الباعة يصيحون وبايديهم اقراص خبز ابيض اضفى عليها الشواء سمرة جذابة بينما يتدافع الناس للشراء قبل ان يدركهم الغروب .
.
والغروب في رمضان بمدينة الموصل له شكل خاص ووقار اكثر خلودا من أي غروب اخر اذ فيه تهبط الشمس برتقالية واسعة وترش ضوءها على اعناق البيوت والجدران في مشهد يدفع الناس قبل عشرات السنين الى تسميتها بشمس ( الميتين ) لانها ترحل كما رحل قبلها الاحبة من البيوت .
.
مع هبوط الشمس تصعد الابتهالات والادعية من افواه الصائمين وقلوبهم العامرة بالايمان والصفاء الروحي وفي لحظات الغروب تخلو الارصفة والشوارع تماما .
.
ويسود صمت مطبق في الارجاء ما يلبث ان يكسره خروج الناس الى صلاة التراويح والمقاهي ومواصلة الاعمال وقضاء الجزء الاخير من المساء بالعاب رمضان وفي مقدمتها لعبة الفر التي هي اللعبة الموصلية الخاصة الرديفة للعبة المحيبس في سائر مدن العراق .
.
يتكرر هذا المشهد ثلاثين مرة متتالية من كل عام .
.
فالموصل تعيش فيه في حضرة شهر رمضان المبارك الذي انزل فيه القرآن هدى للناس.
...الرجوع
2014-03-14 - 05:48:43 AM