الموصل تطلق أول صاروخ في التاريخ الى الفضاء !!


مثري العاني
رعاية المواهب والمبدعين والعناية بهم واكشاف مواهبهم وإبداعاتهم تبدأ من المدرسة على مختلف المراحل لذلك كانت المدارس في العراق تعنى بالنشاطات اللاصفية لتكتشف مثل هذه المواهب والإبداعات.
كان المدرسون في المدارس المتوسطة والثانوية يشرفون بشكل مباشر على إهتمامات الطلبة ويعملون على رعايتها وتوجيهها التوجيه العلمي والأدبي السليم إضافة إلى المواهب الرياضية مثل كرة القدم والسلة والساحة والميدان والألعاب الأخرى.
في متوسطة الحدباء للبنين كانت هذه النشاطات تحظى باهتمام كامل بدأ من المدير ثم بقية المدرسين وعلى مدار السنة ويتم ختام هذه الفعاليات بالمهرجان السنوي للمدرسة ثم المهرجان العام وبخاصة الألعاب الرياضية.
من النشاطات المهمة والفعالة التي كانت تقوم بها مدرستنا أعلاه (لجنة النشاط العلمي) الذي يشرف عليها مدرسو الكيمياء والفيزياء والصحة.
كان في مدرستنا مختبر فيه العديد من الأجهزة والمعدات التي يقوم المدرسون بتدريب الطلبة عليها وشرح ما تقوم به من المهام.
لجنة النشاط العلمي المذكورة أعلاه مثل بقية اللجان التي كانت تعقد اجتماعاتها يومي الإثنين أو الخميس من كل أسبوع نظراً لكون الدراسة في هذين اليومين أربعة دروس أي (نصف دوام) كما كان يقال.
كان من زملائنا في المدرسة طلاب لهم اهتمامات متنوعة أدبية وفنية وعلمية فمثلاً نبيل يوسف بكر كان مولعاً بالعزف على الاكورديون إضافة لإجادته (الرسم) أما نافع شكري عقراوي فكنت لا تجد في جيوبه سوى (الدرنفيسات والوايرات المكثفات) فهو مولع بأجهزة الراديو والتسجيل وكان يصنع لنا جهاز راديو بسيط نسمع به بعض الأغاني ونحن في المدرسة فضلاً عن الأخبار الأخرى.
والراديو عبارة عن كارتون في داخله بعض الوايرات والمكثفات وأشياء أخرى لا نعرفها نحن.
أما أبرز الطلبة الذين لهم اهتمامات علمية فقد كان (وليد جاسم حاج زبير) فقد كانت اهتماماته منصبة بشكل مباشر على الطائرات والصواريخ وأسلحة الفضاء وكيفية إطلاق هذه الصواريخ أو انطلاق الطائرات وعملها وكان يتراسل مع العديد من النوادي العلمية خارج العراق إضافة إلى العجلات العلمية المتخصصة التي تصله ويطلعنا عليها.
فضلاً عن هذه الاهتمامات فقد كان مولعاً بالتمثيل المسرحي إذ كان أحد أعضاء فرقة الحدباء للتمثيل المسرحي التي شكلناها وقدمنا عدة عروض مسرحية في حينه.
كان مدرس الفيزياء (بهنام فضيل رفو) في متوسطة الحدباء بالموصل يهتم بما يجليه (وليد جاسم زبير) من كتب ومجلات ويعمل على بلورة اهتمامه ومتابعتها لذا فقد كان يشرح له العديد من النظريات الرياضية والفيزيائية ويبقى معه في المختبرات لاستكمال ذلك وفي كثير من الأحيان يطلعنا على ما يقوم به (وليد) من أعمل.
فقد تولدت لديه فكرة وترسخت على إمكانياته إطلاق صاروخ إلى الفضاء مما يتطلب تهيئة العديد من القضايا التي تدخل في تنفيذ هذا المشروع وجعله حقيقة واضحة ومن أهمها ما يتطلبه من مصروفات مادية لم تكن المدرسة قادرة على توفيرها.
في العام الدراسي 1959ـ1960 انتقلنا إلى الدراسة الإعدادية وقد أختار (وليد جاسم حاج زبير) الفرع العلمي لإكمال دراسته واخترت الفرع الأدبي في حينه.
في هذه السنة أصبحنا طلاباً في الإعدادية المركزية للبنين وفي إحدى أبرز الإعداديات في الموصل وتقع في شارع أبن الأثير قرب (البارودخانه) كان مدرس الفيزياء في الإعدادية المركزية في الموصل هو (عبد الجبار) إزداد اهتمام (وليد) بهوايته هذه بعد أن حظي باهتمام أكبر من مدرسي الفيزياء في الإعدادية فضلاً عن دعم مديرها لمثل هذه المواهب.
يؤسفني الا أذكر أسمئهم حالياً فقد مضى على الموضوع أكثر من خمسة عقود وهي ليست هينه.
بدأ وليد مع بقية المدرسين تكثيف اهتماماته ومطالعاته ومراسلاته وأخذ يعد العدة من أجل إطلاق صاروخ من ساحة الإعدادية المركزية للبنين في الموصل وقام بإعداد الرسومات المطلوبة لشكل الصاروخ وحجمه وطوله وعرضه وما يستوعبه من مواد متميزة وأسلكة (وايرات) إضافة إلى البطاريات المشحونة المطلوبة لقوة الدفع مع ما يتطلب ذلك من بناء قاعدة في ساحة المدرسة لتحمل الصاروخ.
أصبح حديث الطلبة والمدرسين موضوع الصاروخ الذي سيطلق وكان (وليد) هو لولب الحديث والمحرك الفعلي لهذه الحادثة فأخذ الطلبة يترقبون حدوث مثل هذا الحدث الذي لم يقم به أي طالب أو أي مدرسة او كلية أو مركز علمي بحثي في طول البلاد العربية وعرضها إضافة إلى عدم قيام أي دولة في المنطقة للمبادرة ورعايتها.
بدأ وليد مع بقية المدرسين لتنفيذ فكرته فاختار مكان بناء قاعدة الصاروخ في الساحة الخارجية للمدرسة بعد أن أكمل دراسة قوة تحمل القاعدة وحجم الصاروخ وقوة دفعه وغيرها من الأمور.
أثناء ذلك طلب من أحد السمكرية صنع صاروخ بطول (معين) مع إعطائه تفاصيل دقيقة أخرى حول حجم اسطوانة الصاروخ ومقدار ما سيضعه بداخله من متفجرات وقضايا كهربائية وكيميائية تتطلبها عملية الإطلاق.
كان (وليد) يصرف من جيبه الخاص يساعده في ذلك بعض المدرسين وإدارة الإعدادية.
بعد ان استكمل كل شئ من بناء القاعدة وعمل الصاروخ وتوفير البطاريات الدافعة والأسلاك والمتفجرات التي تم الحصول عليها في حينه من البارودخانه القريبة من المدرسة وبمساعدة بعض المعارف من ضباط وأفراد الجيش المتواجدين فيها.
كان الطلبة يتابعون بالغ المراحل الواحدة تلو الأخرى وينتظرون تحقيق هذا العمل الجبار والفريد من نوعه.
أنجز وليد كل شئ ولم يبق سوى تحديد موعد إطلاق الصاروخ وقد تم تحديد الموعد من قبل إدارة الإعدادية ومدرسيها وكان ذلك في حدود شهر تشرين أول عام 1960 حيث كان يوماً مشرقاً وجميلاً وقد حضر في حينه مدير المعارف أو معاونه وجمع غفير من المدرسين من مختلف مدارس اللواء والطلبة والكل ينتظر بلهفة إلى هذا الإنجاز العلمي الفريد والغريب والذي لم يحدث مثله في أي بلد.
كان وليد مع بقية مدرسي الفيزياء والرياضيات يقفون قرب مركز المراقبة بعيداً بعض الشئ عن مركز الانطلاق (القاعدة) وأخذ أحد المدرسين بالعد التنازلي (ووليد) يضع يده على (زر) الدفع بعد الانتهاء من العد التنازلي ضغط وليد على الزر لينطلق أول صاروخ في التاريخ من مدينة الموصل ويسقط بعيداً عن المدرسة التي لم يحط بها أي بناء في حينه.
وكان يوماً مشهوداً لامثيل له في التاريخ وأصبح حديث المدارس في اللواء حدث لامثيل له غير مسبوق.
بعد الانطلاق صفق الحاضرون طويلاً لهذه التجربة الفريدة وتلقى وليد مع المدرسين التهاني على هذا النجاح.
في نهاية عام 1960 تركت مدينة الموصل مرغماً بعد أن تعرضت لأكثر من اعتداء ومحاولة اغتيال فاشلة حيث سكنت بغداد ومن محل سكني كنت أتابع أخبار وليد وإنجازاته وقد علمت أنه أنهى دراسته الإعداية (الفرع العلمي) بتفوق وأرسل ببعثة علمية الى خارج العراق لاستكمال دراسته.
ولم أشاهد وليد منذ ذلك الحين ولا أعرف ما حل الدهر به وفي أي بلد يعمل الاَن وما هي الشهادة العلمية التي حصل عليها.
العمل الذي قام به (وليد جاسم حاج زبير) إنجاز علمي كبير جداً في حينه وفريد وغير مسبوق ويستحق الذكر والتخليد.
أذكر أن جريدة (فتى العراق) أو إحدى الجرائد في حينه أشادت بهذه التجربة العلمية ودعت إلى رعاية الكفاءات العلمية ودعمها.
...الرجوع
2014-03-14 - 02:09:59 PM