القطار في الموصل (2-2)


ازهر العبيدي
وبعد وصول القطار الى محطة الكاظمية يكون قد وصل الى مشارف مدينة بغداد اذ يدخل محطة قطار بغداد العالمية في الساعة الثامنة بعد 12 ساعة من ترك مدينة الموصل.
وفي المحطة يترجل الركاب مع احمالهم حيث يقف عدد كبير من الحمالين مع عرباتهم الخشبية.
متطلعين الى اشارة واحدة من الركاب لكي يحمل واحدهم العفش لقاء اجر خيالي .
ولكن الراكب الشاطر لا يقتنع بسهولة بمبلغ الاجرة الذي يطلبه الحمال وبعد مناقشات طويلة يتم تقليل السعرالعالي الذي طلبه الحمال الى سعر معقول.
وقد يتجنب جمع من الركاب هذا المأزق فيحمل اثقاله مهما كان حجمها ووزنها الى خارج المحطة.
وامام محطة القطار يقف عدد كبير من سواق السيارات مع حجلاتهم .
فضلاً عن الباصات الخشبية وعربات الخيل وتجري مناقشات طويلة مع الركاب حتى يقتنعوا بالسعر المعقول.
.
فقد اعتاد هؤلاء السواق على طلب اسعار عالية.
يريدون بها ان يعوضوا الوقت الذي صرفوه في الوقت في انتظار وصول القطار .
اذ انهم يفقون في هذا المكان منذ الصباح الباكر وبعد ان يتفق المسافر مع السائق مؤكداً عليه ان يوصله حتى باب بيت اقاربه او الفندق الذي يقصده.
يتم تحميل اثقال المسافر في صندوق السيارة وفوقها.
وتتجه السيارة بعد ذلك خلال شوارع المدينة الجميلة نحو دار اقارب المسافر.
ويتم استقبال المسافر من قبل اقاربه بالمصافحة والقبلات.
قائلين له:ـ (الحمد لله على السلامة ـ عاش من شافك ـ هاي وين انتو ـ شلونهم اهل الموصل ـ شلونا ابو فلان وام فلان ـ يمعود هاي ليش انت تكلفت وجبت هالشي(يقصد الهدايا) ـ هذا بيتك والله امبدالك.
.
.
الخ) وكما كانت الهدايا كبيرة كان الترحيب اكبر.
وقد اعتاد الموصليون النزول في بيوت اقربائهم في الماضي .
او في احدى الفنادق في شارع الرشيد مثل فندق حسيب وفندق الرشيد الكبير.
تلك التي يديرهم اناس من المواصلة.
اما الان فهم يؤمنون فنادق الدرجة الاولى وفنادق شارع السعدون.
ويصل القطار الصاعد من بغداد الى الشورة مع الضياء الاول ويستمر في سيره الى حمام العليل.
ثم الى الموصل وسط مروج خضر في فصل الشتاء والربيع وتلألأ قطرات المطر عند سقوط اشعة الشمس عليها.
ويدخل القطار الى نفق البوسيف فيظلم الجو بعد ان كان مضيئأ .
ثم يسير بمحاذات نهر دجلة حتى دخوله مدينة الموصل .
وهو يطلق صفارات متوالية ايذاناً بالوصول.
وتحذيراً للمارة والسيارات عند تقاطع السكة مع الشوارع.
وعند توقف القطار في المحطة يترجل الركاب حاملين امتعتهم مع ما اشتروه من بغداد هدية لاسرهم مثل رمان كربلاء والخوشي داخل زنابيل مخيطة.
وعثوق التمر البرحي الذهبية داخل زنابيل ايضاً.
وكذلك برتقال ديالى الحلو المذاق والغزير الماء.
والعنب بانوعه.
ويستقبل المسافرون اولادهم الذين يكونون في انتظارهم منذ الصباح الباكر.
فيحملون امتعتهم متجهين الى العربات التي تنتظرهم خارج المحطة.
ويذهب عدد من المسافرين الى بيوتهم سيراً على الاقدام.
ان كانت قريبة من المحطة في باب الحديد او محلة العكيدات او الطوافي او باب البيض .
دخول اشعة الشمس.
يفتح المسافرون هذه الشبابيك ويغلقونها طوعا وعند الحاجة.
مقاعد هذه العربة خشبية تتوزع يميناً ويساراً.
وكانت على نوعين بسيطة وصغيرة.
الكبيرة منها تتسع لنوم شخص واحد وجلوس ثلاثة اشخاص.
والصغيرة تتسع لجلوس شخصين فقط.
او لنوم شخص واحد وهو بوضع الجلوس وهناك رف خشبي طويل على جانبي العربة يستعمل لوضع العفش والحقائب الحديدية والجلدية عليه.
ويستخدم للنوم المريح ايظاً من قبل المسافرين والاطفال.
لا يوجد تبريد في العجلة صيفاً أما في الشتاء فتدفأ بواسطة البخار الحار عن طريق انبوب يمر من بداية العجلة حتى نهايتها يسمى (السديم) وهذا البخار تولده قاطرة القطار ذاته في اثناء انشغالها توجد عتلات حمر على جدران العربة داخل اطار زجاجي مكتوب على الزجاج (لغرض ايقاف القطار اكسر الزجاج واسحب السلسلة ـ يغرم من يوقف القطار بدون سبب مبلغ خمسة دنانير).
أما عربات الدرجة الثانية فقد كانت مخصصة للموظفين والضباط والوجهاء.
تتكون من غرفة في كل منها سريران احدهما منخفض يستعمل للجلوس ايضاً والثاني مرتفع.
وكانت عربات الدرجةالاولى مشابهة لعربات الدرجة الثانية.
ولكنها اكثر منها رفاهية وراحة.
وتخصص لكبار الموضفين والاثرياء اما مايخص التكييف فهي مثل الدرجة الثالثة.
وتلحق بالقطار عربة حمل للمفتش والحمولات الخفيفية والمتوسطة.
وتسمى العربة الضابطة.
مقسمة بوساطة قطوع حديدية الى حانوت وغرفة للمفتش وغرفة صغيرة لمأمور سير القطار او (مسؤول القطار).
كان القطار يتحرك من يغداد الى الموصل صاعداً ومن الموصل الى بغداد نازلاً وفي وقت واحد هو الساعة الثامنة مسائاً يومياً حسبي جدول مواعيد السير التي لا يسمح بتغييرها .
وكان الحجز يتم بان يرسل كل مسافر ولده منذ العصر في حوالي الساعة الرابعة لحجز الكرسي الكبيرة اولاً وفي العربات الامامية من القطار .
وقبل ان يحجزها الاخرون فهي اقل اهتزازاً من العربات الخلفية.
اما قطع التذاكر (البطائق) فيتم مساء قبل حركة القطار بساعة واحدة.
وهكذا كان الاطفال بعانون من الحر والعطش والارهاق في الصيف.
ومن االبرد في الشتاء عدة ساعات ولكنهم يتلذذون بجلوس في عربة القطار التي لا يشاهدونها اكثر من مرة في السنة او ربما في عدة سنوات.
قد لا يمتليء القطار بالركاب إلا في ايام الاعياد.
فلم تكن العطلة كثيرة.
ولم يكن الموضفون او الطلاب او العسكريين بالكثرة التي تجعل القطار مليئاً.
فاغلب هؤلاء يعملون قرب اهليهم دون حاجة للسفر والغربة.
وعندما يكون هناك قطار نهاري مزدحم.
يضطر عدد من الركاب الى الاسترار فوق العربات في الهواء الطلق وسط الدخان المنبعث من القاطرة.
والتراب المتطاير من سرعة القطار.
كما يهرب عدد أخر الى سطح القطار تخلصاً من دفع اجور السفر التي كانت ضئيلة جداً .
يبدأ المسافرون بالوصول الى المحطة بسيارات اجرة او العربات التي تجرها الخيول على الاغلب.
او بسيارات خاصة وهي قليلة في ذلك الحين.
يحمل المسافرون معهم حوائجهم في حقائب (جنط) حديدية وجلدية باحجام مختلفة.
فظلاً عن فرش نومهم من البطانيات والمخدات وعلى شكل رزم اسطوانية.
او على شكل رزمة كبيرة اذا كانت كثيرة.
ويحملون كذلك متاعهم أو طعام السفر فظلاً عن الهدايا (الصوغات) التي سيقدمونها الى اقاربهم او اصدقائهم او الشخصيات الرسمية التي سيزورونها في بغداد.
وتتألف الصوغات من الحلويات كالبقلاوة والحجي باده والشكرلمة والحلقوم والسجق(.
.
.
القاضي) والمعكرونية ومن السما والملبس .
وهذه توضع داخل صفائح كبيرة من الزنك او في علب اسطوانية خشبية باحجام مختلفة .
وتتألف الهدايا كذلك من الاطعمة المعروفة في الموصل.
مثل الكبب الكبيرة وعروق التنورو والباسطرمة.
.
.
الخ.
كما قد تكون من النقل (الكرزات) مثل الفستق والجوز والبندق والبطم والحبة خضراء والكازو وفستق العبيد.
ويختار الموصلي اجود انواع الكرزات واغلاها.
وكذلك الزبيب الاحمر والاسود.
وقلائد التين الواردة في سنجار .
وتوضع هذه المواد داخل اوعية من الخوص (زنابيل)صغيرة وكبيرة.
ويوضع فوقها غطاء من القماش تخاط حافته بحافة الزنبيل لمنع سقوط المحتويات اثناء النقل.
وفي الصيف ياخذ المسافرون البطيخ الالقوشي داخل الزنابيل او الاكياس وعكوس الشمزي(الرقي) الكبيرة التي تبلغ طول الواحدة منها حوالي متر وقطرها حوالي 30سم وكذلك الطرشي من البائع المعروف طه الملك داخل صفائح.
فضلاً عن العسل الجيد والزبد الجيد والقشطة (القشفي).
واللبن الخاثر(الرائب) في فصل الربيع داخل اكياس من الخام الابيض في صفائح التنك .
وهكذا فان المسافر من الموصل يحمل معه اثقالاً واحمالاً من الهدايا اكثر من حاجياته الخاصة.
وتتطلب منه جهوداً كبيرة حين التنقل من مكان الى اخر .
من ايصالها الى القطار.
ثم انزالها من محطة بغداد عند الوصول.
ثم تحميلها الى السيارة او العربة وصولاً الى المكان المقصود داخل المدينة.
ويتمسك اهالي الموصل بهذه العادة الكريمة.
مرهقين انفسهم وجيوبهم في اعداد هذه الهدايا.
تمتلئ محطة القطار مبكراص بعدد كبير من المسافرين مع اقربهم المودعين لهم.
وعدد كبير من الشبان الذي يتسكعون جيئة وذهابا للترويج عن النفس.
وقبل الساعة الثامنة بخمس دقائق يدق ناظر المحطة الجرس الكبير معلناً عن قرب حركة القطار .
فيودع المسافرون اولادهم واقاربهم واصدقائهم الذين حضروا الى المحطة .
مشيعيهم بالسلام :ـ (ايليقيكم الخيغ) أي يلقاكم الخيرـ (تغوحون وترجعون بالسلامي) أي تذهبون وترجعون باللامة ـ سالمين وغانمين ـ الله معاكم ـ (الله يشافيكم وترجعون بخيغ وعوافي) دعوة للمرضى بالشفاء ـ (سلمولنا على بيت ابو فلان وبيت ابو فلان) ايصال بالسلام على اهل بغداد ـ(ان شاء الله تغوحون سالمين.
...الرجوع
2014-03-14 - 03:37:01 PM