الموني عند اهل الموصل


مثري العاني نقلا عن مجلة التراث الشعبي
ومن الحاجات التي تكون موضع اهتمامهم ويقومون بخزنها هي خبز(الرقاق) ويكون من ارغفة كبيرة ورقيقة فيخبزون منها كمية كافية ثم يطوى كل رغيف ويوضع في(الدن) وإذا اريد استعماله يرش بالماء كي يلين.
ويمكن مشاهدة خبز (الرقاق) الان في بغداد خاصةً في الباب الشرقي او عند منطقة حافظ القاضي.
ولا زال الكثير من اهل الموصل يقومون بعمل خبز(الرقاق)الان وخاصة في شهر رمضان المبارك تخلصا من الخبز اليومي.
واهل الموصل من العوائل التي تهتم اهتماما كبيراً(بخبز الاكل) وتضع اعتباره في المقام الاول ولهذا فان حنطة الخبز لابد من انتقائها بشكل دقيق وجيد وذات نوعية معروفة مثل حنطة(صابر بك) المشهورة بجودتها ونوعيتها الممتازة.
إذ ان شراء رغيف خبز في السابق من السوق يعتبر نوعا من العار.
وبقدر اهتمامهم بمسألة اختيار نوع الحنطة ونظافتها وجودتها فانهم يهتمون بنفس الوقت بالطحن والخبز.
إن الحنطة بعد انتقائها تغسل بشكل جيد وترسل الى ماكنة الطحين لطحن كمية وافية منها تكفي فصل الشتاء بأكمله.
وعندما لم تكن هناك مكائن طحن كانوا يقومون بطحنها بواسطة (الجاروشة) والجاروشة عبارة عن حجرتين اسطوانيتين الواحدة فوق الاخرى وهي من نوع الحجارة القوية والصلبة جداً وتكون عادةً مفتوحة من الاعلى وذلك ليتمكنوا من وضع الحنطة اوغيرها فيها ثم تدار باليد وهي لاتستعمل لطحن الحنطة فقط بل لجرش العدس (وتهبيش)التمن اضافة الى عمل انواع مختلفة من الجريش وهم يعتنون بها فقد كانت اهميتها فائقة عندما لم تكن هناك مكائن ورغم ان اهميتها قد خلت في الوقت الحاضر إلا انها لازالت تستعمل عند التحضير (للموني).
هذا عن الطحن اما الخبز فان (التنور) هو الذي يخبز به ولا يمكن ان يكون بيتا بدون تنور وكما قلنا فان اهل الموصل من العوائل التي تعودت اكل خبز البيت وعدم استساغتها الصمون او خبز السوق ومن هنا تنبع اهميته القصوى ومكانته في البيت وبقدر اهتمامهم بالحنطة يهتمون (بالتنور) فلا بد ان يكون قد بني بالصيف واحرقته اشعة الشمس وخاصة شمس تموز وتيبس تيبسا تاما وان لا يكون قد تيبس عن طريق وضع النار فيه وهو طين.
وفي السابق ايضا كانوا يحضرون (الكِشِكْ) وكان يعتبر تحضيره ضروريا ويحضر من تقطيع عروش الشلغم ناعما ثم يخلط بجريش الكبة او(المدقوقة) ثم توضع في اسفل (البرنية) كمية من الخميرة ثم يمزج الخليط جيداً ويبقى الخليط داخل (البرنية) لمدة (15) يوماً بعد اضافة كمية من الماء والملح ثم تفتح (البرنية) بعد المدة المذكورة ويكون الخليط قد اصبح حامضا ثم يؤكل هكذا او يطبخ.
وإذا اكل مطبوخا فانه يصفى بعد ان يخلط بـ(السلق) فيؤخذ (السلق) ويقطع ناعماً ثم يدق ويعصر ويصفى ويضاف الى الخليط اللحم والباذنجان وكذلك يعمل معه(كبة الكشك) ليكون لذيذاً.
فإذا بقى شيء فانه يعرض لأشعة الشمس ليجف.
وعندما لم يكن الدهن النباتي موجوداً او متوفراً فان للدهن اهمية قصوى فأهل الموصل يعتمدون على الدهن الحر(السمن) اي الدهن الحيواني اعتماداً كليا وينتظرون ظهوره بكثرة او توفره ليشتروا منه اللازم كي يكفيهم سنة بأكملها ويتم شراوءه اثناء فصل الربيع وبالذات في شهر نيسان حيث ينزل الرعاة الى المدينة ويكون وجوده مع وجود اللبن او مايسمى عند اهل الموصل بـ(الخاثر)وهو لبن الغنم الخالص.
ومن ظهور الدهن يوجد كذلك الجبن أيضا وكبسه في (البرنية) بعد إضافة كمية من الملح اليه.
وقديماً لم يكن الصابون متوفرا أو لم يكن موجوداً أصلا خاصة بشكله الحالي وأنواعه المختلفة ولم يكن متوفرا سوى الصابون النباتي وبشكل بدائي مثل نوع (صابون الركّي) أو صابون (حبة الخضراء) المصنوع من زيتها.
وصابون الركّي معروف ومشهور في الموصل ويسمى صابون حلب نسبةً الى مكان صناعته إذ أنه يجلب من حلب عن طريق الموصل وغالباً ماكان الطريق يقطع أو غير صالح رغم مايستغرقه السفر من وقت طويل ومتعب.
لذا فقد كان عليهم أن يجدوا بديلاً للصابون في إستعمالاته المختلفة من غسيل للألبسة أو الإستحمام وغير ذلك.
وقد كان (الكيلْ) هو البديل الدائمي للصابون و(الكيلْ) يقسم الى نوعين أبيض ويستعمل لغسيل الملابس وألاسود ويستعمل للأستحمام وله ميزة بالتنظيف وإعطاء الملابس اوالجسم رائحة زكية.
وهو يشترى مع بداية الشتاء والتحضير (للموني) ثم ينقع بالماء لفترة ما ويعمل على شكل عجينة ثم يقطع ويعرض لأشعة الشمس وقد قلت أهمية (الكيلْ صابون) الابيض إذ إنعدمت الآن تماما أما الاسود فلازال إستعماله باق ولم تقل أهميته.
والكيلْ ويشبه (طين خاوه) المعروف في بغداد.
وفي فصل الصيف تكثر الإصابة بالإنفلونزا او الزكام والحمى ومايتبعها لذا لابد أخذ الأحتياط والتحسب للإصابة قبل وقوعها وعليه فإنهم يقومون بشراء( البيبون) والإحتفاظ بكمية وافية منه على طول أيام السنة وللبيبون أهمية عندهم فنادراً مايخلو مسكن منه وهو يشترى عند حلول فصل الربيع أو يؤخذ عندما يبدأون الذهاب الى النزهة الربيعية فيقومون بقطعه وتجفيفه وكثيراً مانرى البدويات وهن جالسات على أرصفة الشوارع العامة يعرض (البيبون) للبيع.
وقد ثبت طبياً وعلمياً فوائد البيبون الكبيرة كمهدئ ومسكن للالم ويسمى(كميل) أيضاً.
وهناك الزعتر والنعناع من ضمن البهارات وكذلك الكمون والفلفل اليابس وغيرها الكثير تؤخذ ويحتفظ بها.
ولكل ذلك فنادراً ماتقع في الموصل أزمة حول المعجون مثلاً أو الحنطة والخبز وذلك لتوفر هذه المواد في كل بيت وبكمية وافية ولا يكاد بيت يخلو منها.
والكثير من العوائل الموصلية التي إنتقلت الى خارج الموصل بسبب نقل معيليها تعمل على أن تأتي الى الموصل في موسم (الموني) لعمل مايلزمهم منها.
ومنها أيضاً تقوم بأخذ التنور معها مثلاً لتعودها أكل خبز البيت.
وقد إندثرت تقريباً أكثر مظاهر ( الموني) مثل (الدن) أو(الكوارة) أو (الدنك) وتقطيع الرشتة وغيرها واستعيض عنها بالأجهزة والأدوات الكهربائية المتوفرة الآن بشكل ملحوظ إلا أن أهمية عمل (الموني) لازالت تحتفظ بكيانها ومكانتها عندهم .
-------- (1) الموني: تحريف لكلمة (المؤونة) وهكذا يطلق عليها اهل الموصل في عاميتهم.
وسنستعمل نفس الكلمة في سياق بحثنا.
(2) الدست: بكسر الدال والسين: يعني (القدر) (3) الدنك: يتكون من حجر ضخم وكبير يدور بها حيوان (حصان مثلاً).
(4) الغرابيل: مفردها بالعامية الموصلية (غربيل) تعني الغربال.
(5) شش ماي: شش باللغة الكردية تعني ستة.
والعبارة تعني ان التمن قد سُقي بالماء ست مرات.
(6) البرنية: البستوكة وكذلك (السد).
...الرجوع
2014-03-15 - 02:56:28 PM