انا والصحافة في الموصل قبل (40)عاما ج-1-


معد الجبوري
أول مرة.
.
وعلى الهواء مباشرة عندما بدأتْ محطة تلفزيون الموصل بَثَّها المحلي أواخر ستينات القرن الماضي.
كان على مديرها آنذاك (عبد الجبار أحمد) أن يفتح الأبواب لأدباء وفناني ومثقفي المدينة.
لتقديم البرامج الثقافية ورفد المحطة بما يعزز من حضورها بين الناس.
في البيوت والمقاهي والنوادي والأسواق والمحلات العامة.
فقد كان بثها.
وهو بالأسود والأبيض.
البث التلفزيوني الوحيد الذي تشاهده مدينة الموصل في تلك الأيام التي لم يكن فيها بث عراقي مركزي ولا فضائيات.
.
ومع أن محطة الموصل تلك كانت لم تعتمد بعد منهج تسجيل البرامج قبل بثها.
حتى على أشرطة الفيديو (2 عقدة) ولم تكن تضم سوى ستوديو واحد صغير لا يتجاوز حجمه (3×3م) تبث منه بثا مباشرا .
فقد شغله أول من شغله عام 1969 ببرنامج أدبي أسبوعي.
شاب لم يتعدَّ السابعة عشرة من العمر.
هو (سعد البزاز) الذي كان يقدم البرنامج حيًّا على الهواء مباشرة.
في صيف عام 1969 كان صديقي سعد البزاز.
وهو يكتب القصة القصيرة آنذاك ويحضر إلى المقاهي التي يتواجد فيها أدباء الموصل.
قد التقى بي وطلب مني المشاركة في برنامجه بالحضور في وقت حدده لي.
إلى محطة التلفزيون لإلقاء قصيدة لي عنوانها (مالك بن الريب آخر) كان قد قرأها منشورة في مجلة (الإذاعة والتلفزيون) وأوضح لي أن البرنامج سيضم.
إضافة إلى قصيدتي.
مجموعة أخبار أدبية وتعليقات ولقاء مع الأديب المصري (الدكتور يسري خميس) وكان الأخير يعمل في الموصل في تلك الأيام وله حضور بين الأدباء في مقاهيهم.
وفي الوقت الذي حدده حضرت .
.
وحين كنت أراجع القصيدة في حدائق المحطة أقبل عليَّ سعد البزاز ليعلمني أن الدكتور خميس لن يحضر وأن البرنامج لا بد أن يُقدَّم.
وأنني سأحل محل الضيف الغائب.
ثم أطلعني على أسئلة دوَّنَها بسرعة ليوجهها إليَّ.
ولم أستطع أن أُخْفِي حرجي وارتباكي.
فقد كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أظهر فيها متحدثا على الشاشة الصغيرة وفي بث مباشر.
لكنه هوَّن الأمر علي.
وحان الوقت فدخلنا الاستوديو.
لنقعد جنبا إلى جنب على كرسيين أمام كاميرا صغيرة وحيدة معلقة في أعلى الفتحة الزجاجية للاستوديو من الداخل.
وبدأت الأسئلة وشرعتُ أجيب ولكن بشكل متوتر.
وكانت الكاميرا عندما تركّز على وجهي ينشغل سعد البزاز بأوراقه فيقلبها دون أن يلتفت إليَّ حتى أنهي إجابتي.
مما زاد من توتري .
وحين طلب مني خلال اللقاء إلقاء نموذج من شعري.
أخرجت الأوراق بعفوية من جيب قميصي الصيفي وقرأت.
ثم أعدتها إلى جيبي بعد أن انتهيت.
وحين اختتم البزاز برنامجه وخرجنا هنأني على نجاح اللقاء.
ثم كان للقاء صداه.
رغم أنني لم أكن راضيا عنه.
وللإنصاف أقول: لقد كان حضور المبدع سعد البزاز في برنامجه الأدبي ذاك.
ينطوي على تفرّد وخصوصية في الإعداد والتقديم.
ومهما كان يظل لذلك البرنامج شرف الريادة.
وممن أعدوا وقدموا البرامج الثقافية آنذاك الشاعر أرشد توفيق.
الذي عانى من لقاءاته ببعض أدباء الموصل.
ففي حوار له مع الشاعر سالم الخباز مثلا.
وكان الأخير معروفا بجرأته وسلاطة لسانه.
حاول إيقاف الحوار عندما أحس بأن الخباز يوشك أن يشتم بعبارة طالما رددها.
أحدَ الكُتَّاب ممن كانوا قد تناولوا شعره.
وأعقب أرشد توفيق في إعداد وتقديم البرامج الثقافية.
الفنان المسرحي عصام عبد الرحمن الذي كان برنامجه في الأدب والفن ذا فقرات منوعة ويُسجل قبل بثه.
.
وفي حلقة من هذا البرنامج تمت استضافتي.
لكنني لم أقلق ولم أشعر بأي حرج بل تحدثتُ بطلاقة وقرأتُ من قصائدي ما قرأت.
وانتهى البرنامج وأنا سعيد بما دار من حوار بيني وبين مقدم البرنامج.
خاطرة تقودني إلى التوقيف مع أن مدينة الموصل شهدت في خمسينات وستينات القرن الماضي صدور عشرات الصحف المحلية.
إلا أنها لم تشهد مطلع السبعينات سوى صدور صحيفة واحدة هي (جريدة الرسالة) ومنذ صدورها وبعد تواصلها.
ترأس تحريرها (سالم الطائي) الذي لم يكن يحضر إلى مقرها لانشغاله بمسؤوليات أخرى.
فيما أشرفَتْ على تحريرها ومتابعتها نخبة من الأسماء المعروفة في المدينة.
مثل: (أرشد توفيق.
قحطان محجوب.
سالم كبابجي.
ثم محسن خليل).
ولأن الجريدة اتخذت لها مقرا في مدخل شارع النجفي.
شارع المكتبات وبائعي الصحف والمجلات العربية والأجنبية.
غدا ذلك المقر ملتقى للأدباء والكتاب .
فامتلأت صفحات الجريدة بالنتاج الشعري والقصصي وبالبحوث والنقد والتحقيقات واللقاءات.
وكانت الجريدة.
مع كل مناسبة ثقافية تُصدر أعدادا خاصة .
كأعدادها التي غطت بها أيام مهرجان أبي تمام الشعري الذي أقيم في الموصل عام 1971.
وأعدادها في تغطية مهرجان الربيع.
في جريدة الرسالة.
نشرتُ العديد من قصائدي التي ضمَّتْها فيما بعد مجموعتي الشعرية الأولى (اعترافات المتهم الغائب) الصادرة عام 1971.
ونشرتُ التحقيق الصحفي والخاطرة والمتابعة النقدية والعمود الصحفي.
وساهمت فيما يدور على صفحاتها من نقاشات أدبية ثقافية.
...الرجوع
2014-03-08 - 03:10:56 PM